د. عبداللطيف الجابري
– هل انا فعلا، فاشل، ولا استطيع تحقيق انسجام وتوافق وتعاون مع باقي زملائي المتعلمين؟
– لماذا ينفر الجميع مني، ولا يرغب اي أحد في اللعب أو التعامل معي؟
– لماذا لا يهتم أغلب المدرسين بي، ولا يستمعون الي؟
– هل أنا عاجز عن فعل ما يقوم به الآخرون من زملائي المتعلمين
– كيف أتخلص من هذه الحواجز السيكولوجية التي تحد من قدرتي على الانخراط الفعلي والفعال، في انجاز الانشطة التعلمية المقترحة علي؟
– ماذا أفعل لكي أنال تقدير زملائي واساتذتي وعموم الذين يتعاملون معي؟
أسئلة وغيرها يتمثلها بعض المتعلمين الذين يعانون صعوبة في الاعتزاز بأنفسهم وتقدير ذواتهم ويقللون من قدراتهم وامكاناتهم وطاقاتهم الشخصية، ويتوهمون أنهم أقل شأنا من الاخرين، وأنهم لا يستطيعون التأقلم بايجابية وتفاعل، مع محيطهم الدراسي وبيئتهم الاجتماعية، كما أنهم يعتقدون كذلك، أن اجسادهم وعقولهم لا يتوافقان ولا يتناغمان ولا ينسجمان فيما بينهما، ولا يؤديان وظائفهما وأدوارهما بفعالية واتزان، كما هو الشأن بالنسبة لباقي المتعلمين.
هذه الصورة الذهنية السلبية التي يحملها هؤلاء المتعلمون عن أنفسهم ومواردهم الداخلية تجعلهم غير قادرين على العمل الجماعي التعاوني، وغير مستعدين لتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات ومواجهة المشاكل التي تعترض سيرورتهم الدراسية أو الحياتية، وغير واثقين مما يفعلون وينجزون.
من هذا المنطلق ووفق هذا التوجه ، نتساءل: هل تستطيع المدرسة أن تساعد هؤلاء المتعلمين على تصحيح التمثلات السلبية التي يحملونها عن أنفسهم ، واستبدالها بأفكار وقناعات واعتقادات ايجابية، تمنحهم الثقة بامكاناتهم ومواردهم الخاصة، وتضمن لهم الفرص التي تجعلهم قادرين على تقدير أنفسهم، وانجاز الاعمال والمهام المطروحة عليهم بفعالية واتقان؟ وماهي التدابير والاجراءات التي يمكن اعتمادها لتحقيق التغييرات والتعديلات الضرورية لديهم التي تسهل تعلماتهم وتيسر ترقيهم الدراسي، وتعينهم على الاندماج الايجابي والتفاعلي، في المحيط السوسيواقتصادي؟ ثم ألا يمكن اعتبار المدرسة بمثابة الفضاء الملائم والمجال المشجع الذي يسعف جميع المتعلمين على اختلاف فروقهم الفردية، في امتلاك الموارد والادوات التعلمية الاساسية التي تطور قدراتهم الذاتية وتنمي كفاياتهم الاكتسابية، وتعدهم الاعداد الطبيعي والفعال، لممارسة مختلف الانشطة الحياتية ومواجهة الصعوبات والمشاكل التي تعترض مسارهم الدراسي أو الاجتماعي؟
لكن قبل ان نجيب عن هذه الاسئلة وغيرها يجدر بنا أولا وقبل كل شئ ، ان نحدد ما نقصده بمفهوم تقدير الذات، وأن نضبط التطورات التاريخية التي عرفها هذا المفهوم.
1 مفهوم تقدير الذات:
ان تفحصنا للادبيات العلمية التي تناولت مفهوم تقدير الذات وتتبعت مختلف التطورات التاريخية التي طرأت عليه، مكننا من الوقوف عند مجموعة من التحديدات التعريفية التي قدمت لهذا المفهوم ، نجملها فيما يلي:
تقدير الذات تعني:
■ الوعي بالذات؛
■ ادراك الذات؛
■ تصور وتمثل الذات؛
■ هوية الذات؛
■ الصورة الذهنية عن الذات.
ارتكازا على هذه التحديدات، نقترح التعريف التركيبي النالي:
● تقدير الذات عبارة عن تقويم شامل للقيمة التي يحملها الفرد عن نفسه، والتي تشكل درجة رضاه عنها وارتياحه لها، وتوجهه صوب التركيز على الصورة الايجابية أو السلبية التي تعكس هويته الذاتية، وتحدد رؤية الاخرين له وحكمهم عليه.
2 التطورات التاريخية لمفهوم تقدير الذات:
اهتمام العلماء والباحثين بمفهوم تقدير الذات ليس وليد اليوم، بل ان ذلك يعود الى سنة 1892 حينما اعتبر وليام جيمس هذا المفهوم يعني وعي الفرد بالقيمة التي يتمثلها عن ذاته،في حين ذهب شارل كوولي سنة 1902 الى تقديم تصور اخر لهذا المفهوم، ركز فيه على أن القيمة التي يحملها هذا الفرد عن نفسه، تعكس ما يتشكل منه المجتمع، وتوضح ايضا، الكيفية التي تحدد مختلف التفاعلات التي تتم بين هذا الفرد والبيئة التي ينشأ ويترعرع وينمو فيها منذ ولادته، والتي تعتبر بمثابة المراة التي تترجم اراء ومواقف ورؤيات الاخرين له ، وتعكس كذلك، الصور والهويات التي يتمثلها عن المحيطين به.
هذان التصورات السابقين يتكاملان فيما بينهما، ويسعيان الى تحديد البناء الذهني الذي يتمثله الفرد عن ذاته وفدراته الشخصية ،والذي تشكل لديه من خلال تفاعله التطوري والمستمر مع بيئته ومحيطه.
من هذا المنطلق، ووفق هذين التصورين، نخلص الى أن تقدير الذات سيرورة دينامية ودائمة، تبدأ قبل ولادة الفرد وتستمر طيلة مساراته الحياتية. إذ أنه يتلقى المكتسبات الأولية والادوات الذهنية الاساسية والتفاعلات العاطفية والوجدانية الضرورية والمعلومات والممارسات والسلوكات القاعدية من لدن افراد اسرته، وبالخصوص والديه اللذين يزودانه بالموارد المعرفية التي تجعله يحاكيهما في كل شئ، ويحس بما يحسانه، ويفكر كما يفكران، ويرى الامور بما اكتسبه منهما.
باختصار شديد، تعتبر اسرته بمثابة المرأة التي تعكس صورته، وتتبع تطوره ونموه، وتتقبله كما هو، وتعمل على تشجيعه وتحفيزه وتحميسه وتقوية ثقته بنفسه وبقدراته الداخلية وامكاناته الذهنية، وتدعمه وتقوي عزيمته وارادته لبذل المجهود وتحمل المسؤولية ومواجهة الصعوبات التي تعترض حياته. كما يتخذ ايضا، من كل افراد هذه الاسرة القدوات والنماذج التي يجب ان يقتدي بها، ويحدو حدوها ويستفيد من خبراتها وتوجهاته وتجاربها.
بعد تلقيه للمكتسبات الاولية من لدن أسرته، ينتقل هذا الفرد الى عالم اخر يتفاعل معه ويزوده بموارد وأدوات ذهنية اخرى تجعله يقارن بين مرأة أسرته التي يرى من خلالها صورته الذاتية وبين ما يتشكل في ذهنه من تمثلات جديدة عن تقدير نفسه التي اكتسبها من هذا العالم الجديد، الذي هو عالم المدرسة بكل أسلاكها ومستوياتها التعليمية.
ان استمرار هذا الشخص في الدراسة وتمكنه من اكتساب التعلمات الضرورية التي تساعده على تطوير كفاياته، وتيسر قدرته على تقويم ذاته واصدار احكام عن قدراته وامكاناته الخاصة، وتجعله مستعدا للتمييز بين الميادين الخمسة التي تمثل الكفايات التالية التي بها ومن خلالها يستطيع النظر الى ذاته ، والسعي الى تقددير موارده وأدواته الداخلية:
▪الكفايات التعلمية؛
▪الكفايات الرياضية والبدنية؛
▪الكفايات العلائقية والتواصلية؛
▪الكفايات الهويتية؛
▪الكفايات الاخلاقية والسلوكية.
هذا وتجدر الاشارة الى أن الكفايات لا تتجانس أو تجتمع في فرد واحد بل ان كل متعلم يتميز عن باقي زملائه بنوع من هذه الكفايات .
3 دور المدرسة في تقدير المتعلم لذاته:
هل فعلا تستطيع المدرسة أن تساهم في تغيير التمثلات التي يحملها المتعلم عن نفسه والتي اكتسبها من وسطه العائلي أم لا
أكدت معظم الدراسات السيكولوجية والبيداغوجياوالديدكتيكاي على أن هناك علاقة قوية بين تقدير المتعلم لذاته وبين الموقف الذي يتخذه بخصوص انخراطهم في الممارسة التعلمية أو عدم قيامه بذلك؛ حيث أوضحت هذه الدراسات أن البرمجة الأسرية لهذا المتعلم قد تكون ايجابية وقد تكون سلبية ، قد تجعله يندمج في الوسط الدراسي ويتفاعل معه وقد تجعله ينفر منه ويقام ويرفض التعايش معه. كما أن المدرسة قد تكون كذلك، حاضنة فعالة له، وقد تكون عكس ذلك.
وهكذا يتضح لنا، أن الخياة الدراسية قد تشجع هذا المتعلم على تقوية الثقة بنفسه، وتساعده على تطوير قدرته على تقدير ذاته، وقد تحبطه وتقلل من أهميته، وتزرع فيه قيما سلبية، تحد من ارادته على متابعة دراسته وتعسر اندماجه في الوسط الدراسي.
ولتوضيح أكثر ما أشرنا إليه سابقا، من أن المدرسة قد تقوي وتنمي قدرة المتعلم على تقدير ذاته، وقد تضعفها، نورد دراسة مقارنة قام بها بيير هنمير واخرون سنة 1988، حيث اختاروا ثلاث مجموعات من المتعلمين: مجموعة متمكنة ومندمجة، بشكل عادي وطبيعي، في الوسط الدراسي، ومجموعة متعثرة لكنها هي الاخرى مندمجة اندماجا طبيعيا، في المحيط التعليمي، ومجموعة ثالثة في وضعية صعبة ومندمجة في فصل دراسي خاص. وقاموا بملاحظة ورصد انخراط هاته المجموعات الثلاث في الممارسات والانشطة التعلمية داخل الفصول الدراسية المخصصة لكل مجموعة، وتوصلوا الى النتائج التالية:
○ متعلمو المجموعة الثالثة الذين يعانون اضطرابات تعلمية، لم يتمكنوا من تطوير كفاياتهم التعلمية كما هو الشأن بالنسبة للمتعلمين العاديين، لكنهم حققوا انسجاما فيما بينهم، وكانوا سعداء ومرتاحين؛
○ على عكس متعلمي المجموعة الثانية الذن لم يحققوا تطورا في تعلماتهم ولم يتمكنوا من الانسجام والتوافق والتلاؤم فيما بينهم، ولم يستطيعوا تقوية قدرتهم على تقدير ذواتهم، بل ان تواجدهم مع متعلمين جيدين ومواجهتم لهم جعلهم يشعرون بنوع من الدونية والنقص والحرج والانزعاج.
من هذا المنطلق ووفق هذه النتائج، نعتقد أن المدرسة مصدر من بين المصادر الأساسية التي يمكن أن تساعد المتعلمين على تطوير قدراتهم الذاتية وتنمية كفاياتهم التعلمية وتقوية ثقتهم بأنفسهم والاعتزاز بمواردهم الداخلية ، ويمكن كذلك أن تحطبهم وتمدهم بالأدوات الذهنية السلبية التي تجعلهم غير قادرين على تشكيل صورة جميلة ورائعة عن أنفسهم وعن المحيطين بهم.
باختصار شديد، يمكن اعتبار المتعلمين الذين يعانون اضطرابات وصعوبات تعلمية، ويتابعون الدراسة في أقسام تنافسية تحتوي على متعلمي متمكنين، لا يستطيعون تطوير كفاياتهم التعلمية ولا يقدرون على تقوية قدرتهم على تقدير ذواتهم. في حين نجد المتعلمين الذين يوجدون في وضعية صعبة لكنهم يدرسون في أقسام خاصة يتمكنون من تحسين تعلماتهم ومن تنمية قدرتهم على تقدير أنفسهم.
اكد بيرون نفس هذا الموقف سنة 1991، حينما اعتبر هو الاخر المتعلمين الذين يعانون صعوبات وتعثرات تعلمية ويوجدون في قسم عادي وطبيعي،لا يستطيعون تطوير قدرتهم على تقدير ذواتهم. لذلك ، يجب التعامل معهم بكيفية مزنة، تسهل عليهم عملية الاعتزاز بأنفسهم، وتمكنهم من تحسين تعلماتهم.
لقد زكى نفس هذا التصور الباحث كوماز سنة 1991، الذي اكد على ضرورة توفير الظروف الملائمة والاجواء المشجعة والشروط الضرورية التي تسهل على المتعلم اكتساب مفاهيم وتعلمات جديدة، وتيسر له كذلك، تقدير قدراته الذاتية وتقوية الثقة في امكاناته وموارده الداخلية، وتساعده على التعامل الايجابي والتفاعلي مع الاخرين.
4 دور المدرس في تنمية قدرة المتعلم على تقدير الذات:
من بين أهم المهام والممارسات التي يجب على المدرس أن يقوم بها، حرصه الشديد على توفير الظروف الملائمة والشروط العلائقية الايجابية والمشجعة، والاجواءالتفاعلية المحفزة التي تسمح للمتعلمين بالانخراط الفعلي والفعال، في انجاز مختلف الانشطة التعلمية التي تقودهم الى امتلاك الموارد المعرفية والاجرائية والموقفية الضرورية التي تساهم في تنمية كفاياتهم الاساسية، وتتيح لهم الفرصة لتطوير قدراتهم الذاتية وتقوية اعتزازهم بأنفسهم وبامكاناتهم وطاقاتهم الداخلية، التي تجعلهم متمكنين من تحقيق أهدافهم الشخصية والاجتماعية، ومستعدين للاندماج الايجابي والتفاعلي في المحيط السوسيواقتصادي.
بالاضافة الى كل ذلك، ينبغي أيضا، لهذا المدرس أن يتعامل مع هؤلاء المتعلمين باحترام، ويحرص على أن تكون تدخلاته ورسائله ايجابية ومدعمة لهم، ويؤمن بقدرتهم على التغيير والتفوق في أعمالهم، ويثق في مواردهم الداخلية، ويحثهم على بذل المجهودات والسعي الى تحقيق أهدافهم وتحسين سيرورتهمم التعلمية، وتقوية اعتزازهم بانفسهم وبالاخرين.
وعلى العموم، يمكن التأكيد مما سبق، على الخلاصات التالية:
1 أن أغلب الدراسات والأبحاث السيكولوجية والبيداغوجية تؤكد على ان المدرسة تقوم بدور كبير في عملية تطوير قدرة المتعلمين على تقدير أنفسهم، والاعتزاز بمواردهم الداخلية؛
2 كما تعتبر كذلك، هذه الدراسات المدرسة يمكن أن تساهم في احباط بعض المتعلمين واضعاف قدرتهم على الثقة بامكاناتهم وطاقاتهم ومخزونهم المعرفي؛
3 اذا حرص المسؤولون على توفير الامكانات الضرورية والشروط الملائمة، وخلق الاجواء المشجعة والمريحة، وضمان تكافؤ الفرص، والسعي نحو تحقيق الامن والامان بمختلف مؤسساتنا التعليمية، اذا توفرت كل هذه الوسائل وغيرها، يستطيع المتعلمون على اختلاف فروقهم الفردية من امتلاك الموارد المعرفية والاجرائية والموقفية الضرورية، التي تساهم في تطوير كفاياتهم الاساسية، كما يتمكنون ايضا، من تقوية قدرتهم على تقدير ذواتهم، ومن تنمية ثقتهم بأنفسهم.