طريق محفوفة بالمخاطر نحو الاغتناء الفاحش
نشطت في الآونة الاخيرة شبكات استخراج الكنوز عبر مختلف مناطق المغرب، منها من وقعت في قبضة رجال الأمن بعد ضبطها في حالة تلبس، فتم إحباط محاولتها و اقتياد أعضائها إلى مخافر الشرطة أو الدرك الملكي للتحقيق معهم قبل إحالتهم على القضاء، و في المقابل و من دون شك أن شبكات أخرى أفلح أعضاؤها في الوصول إلى كنوز ظلت في أعماق الأرض لعقود بل لقرون من الزمن. فكيف تعمل هذه الشبكات؟ و من هم أعضاؤها؟ و ما موقف القانون المغربي من نشاطها؟ أسئلة و أخرى يجيب عنها التحقيق الآتي.
احترف العديد من الشبان و الشيوخ حرفة التنقيب على الكنوز فصاروا يتيهون في الأرض أملا في استخراج كنز قد يجعلهم من الأغنياء، فكونوا شبكات متخصصة في هذا المجال المتشعب الخيوط و الذي يتسم بنوع من الحيطة و الحذر خاصة تجاه الغرباء أو ما يصطلح عليهم “أصحاب التقييدة”، سيما و أن هذه الحرفة مفعمة بشتى صنوف النصب و الاحتيال، كما أنها لا تخلو من مخاطر قد تصيب المرء بأضرار جسدية و نفسية تصل حد الهلاك.
كان مجال استخراج الكنوز إلى عهد قريب حكرا على ثلة من المشعوذين الذين يسمون أنفسهم بـ “الفقهاء” و يدعون بأن لهم قدرة على تسخير الجن للقيام بأعمال خارقة للعادة، غير أنه سرعان ما ظهرت فئة جديدة من المنقبين على الكنوز و الذين يعتمدون على أجهزة رصد متطورة، و بذلك اصبحت عملية الاستخراج تتم عبر طريقين : تقليدية و عصرية.
التقييدة مفتاح الكنز
التقييدة هي مخطوط ضارب في أعماق التاريخ يحمل بين ثناياه عبارات باللغة العربية أو العبرية بالنظر إلى أن أفواج اليهود كانوا يستوطنون المغرب قديما، فيكنزون أموالهم و حليهم الذهبية و الفضية خشية السطو عليها.
و لعل أجود أنواع “التقييدة” ما كتب بدم الغزال على جلود الحيوانات فتكون ضاربة في جذور التاريخ و غالبا ما تكون صحيحة لا يعتريها تحريف أو تزوير.
هذه التقاييد يتم الحصول عليها إرثا في بعض الحالات، و في حالات أخرى عن طريق الصدفة بين صفحات الكتب القديمة، أو بين الأدوات و الأواني البالية أو في مكان أثري قديم، فتشكل خارطة طريق نحو مكان الكنز إذ تساعد عناصر الشبكات التي تنشط في هذا الميدان على الوصول إليه انطلاقا من نقطة معلومة عبر تصميم هندسي يكون القياس فيه بالأميال و الأقدام، كما تشير إلى علامة مميزة لمكانه و مستوى العمق الذي وُضع فيه تحت الأرض، بل و غالبا ما تتضمن “التقييدة” محتوى صندوق الكنز من صابون (صفائح الذهب) أو ضبلون (نقود ذهبية قديمة جدا) أو حلي ذهبية أو أحجار كريمة (المرجان و الياقوت و اللويز).
و في الغالب الأعم ما تقود خارطة الطريقة هاته عناصر الشبكة إلى المقابر و الأضرحة و الزوايا و القصبات و القصور القديمة، حيث كان القدامى يحبذون وضع كنوزهم بأعماق أرضها أو جدرانها و أسوارها بالنظر إلى القدسية التي تتمتع بها و التي تحول دون وصول الغير إليها.
“الحريفي” زعيم الشبكة
بالنظر إلى ارتفاع وثيرة النصب و الاحتيال في ميدان استخراج الكنوز فإن “الحريفي” هو الذي بإمكانه التصدي لهذه العمليات، إذ تكون له قدرة كبيرة على معرفة مدى صحة و صدقية “التقييدة” من خلال التعرف على نوعية الورق و المادة المكتوب بها مكان و مضمون الكنز، و هل يتعلق الأمر بورق أو جلد حيوان قديم أم حديث؟ فحداثة الورق تعطي انطباعا أوليا بأن “التقييدة” مزورة و لا حاجة لاعتمادها كمرجع أساس للوصول إلى الكنز بل و لا حاجة للتعامل مع أصحابها إطلاقا.
و إذا ما ثبت لدى “الحريفي” صحة التقييدة فإنه يتبناها و يشرع في إعداد العدة للوصول إلى الكنز، فيصير شغله الشاغل هو تأمين المكان قبل الشروع في العملية.
و يعتبر التأمين شرطا أساسيا بل و مدخلا لعملية استخراج الكنز، فإلى جانب تأمين المكان من حملات رجال الأمن أو الدرك الملكي التي غالبا ما تقود الشبكة إلى السجن، فإنه من الضروري تأمين المكان كذلك باستغلال أحد أبناء المنطقة التي تشكل مسرحا لعملية التنقيب تفاديا لأي مواجهات محتملة مع الساكنة، فضلا عن التأمين الطبيعي إذ يلزم أفراد شبكات استخراج الكنوز اختيار أوقات معينة فغالبا ما تباشر عملها ليلا تحت جنح الظلام مع غياب غرة القمر بل و تزداد وثيرة عملهم في فصل الشتاء عندما تكون الاجواء مطيرة حيث يخيم الظلام الدامس و تهجر أرجل المارة أماكن الكنوز على اعتبار أن معظمها يكون في مواقع مهجورة و نائية.
بعد تأمين المكان من جميع جوانبه الأمنية و الطبيعية و البشرية، يقوم “الحريفي” بانتداب فريق العمل حيث يتم توزيع الأدوار و تزويد كل واحد من أعضاء الفريق بأدوات عمله (حسب طريقة الاستخراج) في انتظار ساعة الصفر و التنقل الجماعي إلى مكان الكنز.
الطريقة الكلاسيكية : تسخير الجن
يجمع نشطاء ميدان استخراج الكنوز أن السلف أو القدامى من المغاربة و اليهود كانوا يقومون بتخزين أموالهم الذهبية و حليهم داخل صناديق أو أواني طينية فخارية (كلة أو خابية)، فيدفنونها في منطقة غالبا ما تكون مقدسة كالأضرحة و المقابر و الزوايا أو تحمل علامة مميزة لا يمكن تغييرها خاصة بجوار أشجار النخيل التي لا يمكن اقتلاعها بشكل عشوائي، بل و كانوا يجلبون بعض المشعوذين فيضعون عليها سحرا معينا بدعوى أنها تصير محروسة من طرف الجن فتسمى حينذاك بـ “المرصودة” أو “الخزينة” أو “الدفينة”.
و لاستخراج هذه “الخزينة” من أعماق الأرض تقوم الخلية التي يتزعمها “الحريفي” بانتداب فقيه مشعوذ يدعي أنه يقوم باستنزال و تسخير الجن لتحديد مكان الكنز بالضبط و هي طريقة غير مضمونة بحسب العارفين بميدان استخراج الكنوز إذ لا يمكن أن تصل الخلية إلى غايتها إلا إذا كان “الفقيه” متمكنا من تسخير الجن، و خلال هذه الطريقة قد تحدث بعض الحوادث التي تصل حد الهلاك إذ غالبا ما يصاب احد أفراد الخلية بنوع من المس و هنا يذكر مصدرنا بأن “شخصا قوي البنية بمنطقة قروية بدكالة كان ينوي اقتلاع حجر كبير حتى يتمكن من حفر المكان لاستخرج كنز فإذا به يصاب بنوع من المس أفقده القدرة على الحركة لمدة اسبوع قبل أن تفيض روحه”.
و تعرف هذه الطريقة المعروفة بـ “الرصد” أشكالا متنوعة من الحيل للنصب على الطامعين في الحصول على الكنز من أبرزها اختيار أحد الأغنياء و التحايل عليه من خلال دس قطع نقدية و حلي مزورة داخل صندوق وهمي، و إقناعه بأنه “مرصود” أي تحت حراسة الجن و أن بخورا باهظ الثمن هو الكفيل برفع حالة المنع عليه فيسلبونه مبلغا كبيرا بدعوى اقتناء هذا البخور الوهمي.
طريقة المسح الجغرافي
باتت مجموعة من شبكات استخراج الكنوز تلجأ لأصحاب أجهزة علمية متطورة تم تحويل غرضها من اكتشاف المناجم و المياه الجوفية إلى رصد الكنوز تحت أعماق الأرض.
هذه الأجهزة عبارة عن سكانير يكشف خبايا أعماق الأرض، تباع في الدول الأوروبية دونما منع بمبالغ مالية ضخمة تصل إلى 100 مليون سنتيم حسب نوع و جودة الرصد.
العمل بهذه الأجهزة يعطي نتائج جيدة حسب مصادرنا إذ تقوم بتصوير الكنز كما هو موضوع تحت الأرض من خلال شاشة حمراء، و صاحب الجهاز يصبح بدوره “حريفيا” فيقصدونه أصحاب “التقييدة” لتسهيل عمله، و غالبا ما يمارس أصحاب أجهزة الرصد عملهم دون الحاجة إلى “تقييدة” إذ يترددون على المقابر و الأضرحة و المآثر التاريخية فيشرعون في عملية المسح بشكل اعتباطي أملا في رصد كنز تحت الأرض “مات صاحبه و مات معه سره دون أن يترك تقييدة”.
بعد استخراج الكنز…
هناك عرف متداول بين شبكات استخراج الكنوز و هو اقتسام الغنيمة بين أعضاء الشبكة بالتساوي، فبعد تحقيق الهدف و الوصول إلى الكنز يتم وضعه لدى أكثر العناصر ثقة من بين نشطاء الشبكة، فيما يتكلف آخر بأخذ عينة منه و عرضها على “الصرّاف” الذي قد يكون من جنسية أجنبية حيث يتم التوافق على ثمن البيع بوصف البضاعة آثارا “Antiquités” و ليس معادن نفيسة تباع للكيلوغرام الواحد، كما أن عملية الأداء غالبا ما تتم بالعملة الصعبة حسب مصادرنا.
و في الغالب الأعم يتم البيع لأول “صرّاف” تُعرض عليه الغنيمة لاعتبارين اثنين، أولهما كي لا يشاع أمر العثور على الكنز بين الصرّافين و يصل سره إلى السلطات الأمنية، و ثانيهما يتمثل في رغبة الصرّاف التي تكون جامحة في الاستفادة من الصفقة حتى لا يترك مجالا لمنافسيه من أجل التدخل و الرفع من قيمتها المالية بشكل مبالغ فيه فتضيع عليه فرصة الاستفادة من مداخيل إضافية.
استخراج الكنوز جريمة في نظر القانون
ينص الفصل 45 من الظهير الشريف 1.80.341 انه لا يجوز لأي كان القيام دون رخصة بأعمال الحفر و البحث في الأرض و البحر قصد استكشاف مبان أو منقولات تكون فيها بالنسبة للمغرب فوائد تاريخية أو أثرية أو انتروبولوجية أو تهم العلوم التي تعنى بالماضي و العلوم الإنسانية بوجه عام.
ليؤكد الفصل 46 من ذات الظهير أنه إذا أنجزت خلال أعمال ما عملية حفر لم يقصد منها البحث عن آثار قديمة و اكتشفت على إثرها مبان أو نقود أو تحف فنية أو عاديات وجب على الشخص الذي أنجز أو عمل على إنجاز هذه العملية أن يخبر باكتشافه في الحال السلطة الجماعية المختصة التي تطلع الإدارة فورا على ذلك و تسلم إلى المعني بالأمر إيصالا بتصريحه مع الإشارة إلى أنه يمنع عليه أن يتلف بأي وجه من الوجوه أو ينقل المباني أو الأشياء المكتشفة ماعدا لأجل حفظها و إلا فإن عملية الحفر تعتبر خرقا لأحكام الفصل السابق.
أما الفصل 49 من نفس الظهير فيبين أن التحف الفنية أو العاديات المنقولة المكتشفة خلال عمليات حفر مأذون لها، أو خلال أعمال ما تصبح ملكا للدولة، و في هذه الحالة يدفع تعويض إلى حائزها و يحدد مقدار هذا التعويض بالمراضاة أو على يد المحاكم.
أما الفصل 52 من هذا القانون فيعتبر عملية استخراج الكنوز جريمة يعاقب عليها بغرامة مالية من ألفين إلى 20 ألف درهم، و في حالة العود ترتفع قيمة الغرامة إلى الضعف، و قد تعادل الغرامة حسب الفصل 54 عشر مرات قيمة الشيء المرتكبة المخالفة بشأنه، و تكتسي هذه الغرامة صبغة تعويض مدني بمصادرة الشيء، و تكون المصادرة إجبارية في حال استكشافات غير مصرح بها و عمليات حفر غير مأذون لها.
و هكذا يتضح أن عملية الحفر من أجل استخراج الكنوز تعتبر جريمة لأنها تتم خلسة و دون توفر الشبكات التي تنشط في هذا المجال على رخصة بذلك…علما أنها باتت تستهوي الأغنياء قبل الفقراء.
afterheader desktop
afterheader desktop
تعليقات الزوار