من إنجاز : عبدالرحمان بنصفية
شبان يحترفون مهنا موسمية لمواجهة مصاريف الدخول المدرسي
بحلول فصل الصيف تتحول مدينة الجديدة إلى سوق كبير يحتضن شتى المهن ذات الطابع الموسمي، مما يفتح المجال أمام العديد من الشبان خاصة منهم الطلبة و التلاميذ للظفر بفرصة عمل تمكنهم من تحصيل مبالغ مالية تساعدهم على توفير لوازم الدراسة للموسم المقبل.
و يفضل هؤلاء العمال الموسميون امتهان حرف بسيطة تدر عليهم مداخيل يومية غالبا ما يتم توفيرها لمواجهة مصاريف الدراسة، في الوقت الذي يختار أبناء الأسر الميسورة الاستمتاع بعطلتهم الصيفية بين أمواج البحر الزرقاء و حبيبات الرمل الذهبية.
سماسرة الشقق المفروشة
بمختلف مداخل مدينة الجديدة يقضي العديد من الشبان أوقاتهم يلوحون بمفاتيح لإثارة انتباه الزوار إلى أن الأمر يتعلق بتقديم خدمات تمكنهم من كراء شقق و منازل مفروشة، و منهم من لا يبرحون مواقعهم إلا و آذان الفجر خاصة بفضاء المحطة الطرقية و كبريات الطرق التي تعرف حركة دؤوبة للسيارات.
هؤلاء السماسرة الذين دفعتهم الحاجة إلى ركوب مخاطر مهنة موسمية قد يجدون أنفسهم عرضة للإصابة بضربات الشمس نتيجة قضاء أوقات غير يسيرة تحت أشعتها بحثا عن الزبناء، بل و قد يسقط أحدهم في متاهة المساءلة القضائية عندما يتوسط في كراء محل يتحول إلى مسرح لجريمة ما، كما هو الشأن لأحد السماسرة الذي قضى عقوبة حبسية عندما توسط في كراء شقة تحولت إلى بركة دم نتيجة إجهاز المكتري على خليلته. يقول عبد الغني طالب بمعهد متخصص “أعمل وسيطا في كراء الشقق خلال فصل الصيف منذ عدة سنوات لتوفير مصاريف تساعدني على الدراسة، هي حرفة لم تعد توفر مدخولا كبيرا بالنظر إلى اشتداد المنافسة، لكن ما عساني أفعل امام ضيق ذات اليد و ارتفاع تكاليف الدراسة فأنا ملزم بأداء واجب الكراء لأنني أتحدر من خارج مدينة الجديدة، و مصاريف التغذية و التنقل و اللباس و لوازم الدراسة” و عن مداخيل و مخاطر هذه الحرفة الموسمية يقول المتحدث نفسه “أعلم أنها أصبحت حرفة مشبوهة في نظر العديد من المواطنين بعدما أضحى البعض يقدم خدمات غير مشروعة مرتبطة بالجنس لاستمالة الزبناء، كما أننا غالبا ما نجد أنفسنا وسط الصراعات التي قد تنشب بين المكري و المكتري، لكن على العموم تبقى مداخيلها أفضل من العطالة و إن لم ترق إلى المستوى المطلوب فتارة يصل المدخول اليومي 200 درهما و تارة يكون 0 درهم فنقضي يوما في التعب دونما طائل”.
كراء المظلات الشمسية
بدا شاطئ الجديدة –على غير عادته- خاليا من أصحاب المهن الموسمية، فالسلطات المحلية اتخذت قرارا بمنع الباعة الجائلين من التجول بالشاطئ كما كان عليه الامر في المواسم الماضية، فلا حق لباعة المثلجات و المشروبات الغازية و الماء المعدني و أكواب القهوة التقليدية و الإسفنج المنمق بمسحوق السكر و شرائح البطاطس و الأكلات الخفيفة “السوندوتشات”…في اختراق أبواب الشاطئ و كسب قوتهم اليومي، و عزت مصادر عليمة أسباب اتخاذ هذا القرار إلى الفوضى التي تنجم عن “أباطرة” كراء المظلات الشمسية و الكراسي و الطاولات حيث يستغلون مساحات شاسعة و استراتيجية من الشاطئ للضغط على المصطافين من أجل كراء هذه اللوازم البحرية بأثمنة خيالية في عملية ابتزاز واضحة و مكشوفة.
و يبدو أن السلطات المحلية لم تكن صارمة في فرض هذا القرار حيث مازال بعض هؤلاء “الأباطرة” ينشرون مظلاتهم خفية عن الأنظار قصد كرائها للمصطافين، يقول مصطفى صاحب كشك بالشاطئ “لم يعد يجرؤ بائع جائل على تجاوز أسوار الشاطئ لبيع سلعه خشية أن تتم مصادرتها منه، كما أن ظاهرة احتلال الشاطئ من طرف أصحاب المظلات و الكراسي قد تراجعت نتيجة منع السلطات مزاولة هذا النشاط لما فيه من ضرر بسمعة الشاطئ، لكن مازال هناك من يقوم بكراء المظلات الشمسية فقط”.
قرار المنع الذي اتخذته السلطات المحلية في حق الباعة الجائلين برمال الشاطئ، جعلتهم يوجهون نشاطهم صوب شوارع المدينة، إذ غزت جحافل باعة القهوة و الاسفنج و عربات رقائق البطاطس و الذرة مختلف الطرقات من طرف شباب لا سبيل لهم بكسب قوتهم اليومي و ادخار جزء منهم للقادم من أيام العطالة غير امتهان هذه الحرف الموسمية، يقول حسن بائع جائل للاسفنج “نحن مجموعة من الشبان نأتي إلى مدينة الجديدة من البادية للعمل مع صاحب محل لهذا النوع من الاسفنج حيث يزودنا به لترويجه بين زوار المدينة، المهم بالنسبة إلينا هو توفير بعض المال لمواجهة مصاريف الشتاء حيث ندخل في فترة عطالة بالبادية”.
بائع التين الشوكي
إلى عهد قريب كانت هذه التجارة الموسمية الأكثر انتشارا بين شوارع و طرقات مدينة الجديدة خلال فصل الصيف الذي يتزامن و جني فاكهة الصبار، غير أن هذه التجارة تأثرت بدورها بوباء الحشرة القرمزية التي أتت على مساحات شاسعة من هذا النبات بمختلف قرى دكالة، و لعل ذلك ما يعكسه تراجع عدد باعة التين الشوكي، و هو ما أدى حتما إلى ارتفاع ثمن هذه الفاكهة انسجاما مع قانون العرض و الطلب، إذ في الوقت الذي اعتاد فيه سكان و زوار مدينة الجديدة على تناول هذه الفاكهة مقابل ثمن ينحصر بين 20 و 50 سنتيما، فإن قلة العرض مقابل ارتفاع الطلب جعل ثمنها يصل خلال صيف هذه السنة إلى درهمين.
حرفة بائع التين الشوكي غالبا ما يمتهنها شباب يفدون من القروى المحيطة بمدينة الجديدة لما يميزهم من براعة في إزالة القشرة الشوكية لذات الفاكهة. محسن طالب جامعي فضل بيع فاكهة التين الشوكي يقول “لقد أثر وباء الحشرة القرمزية على تجارة الكرموس حيث ضربتها موجة من الغلاء و هو ما جعل الإقبال عليها يتراجع من طرف الزبناء، لكن (اللي جاب الله غادي يعاوني في الكرا و مصاريف الدراسة) خاصة و أنني لم استفد من المنحة الجامعية”
و الأمر نفسه ينطبق على باعة الذرة (الكبال) الذين انتشرت عرباتهم بمختلف شوارع المدينة، سواء منها “المشوية” أو “المسلوقة”، و هنا يتضح أن أشخاصا يقومون بكراء محلات قديمة آيلة للسقوط للقيام بما تتطلبه هذه التجارة من أشغال قبيلة، قبل تزويد بعض الشبان القادمين من القرى المجاورة بعربات تؤثثها “المجامير” و قنينات الغاز و الاواني اللازمة لهذه التجارة التي تبقى مدرة للدخل، غير أن النصيب الأوفر منهم يدس في جيب “زعيم” شبكة هؤلاء التجار.
باعة الجرائد
شبان آخرون اختاروا بيع الجرائد عن طريق التجول بين شوارع المدينة و في صفوف رواد المقاهي الشعبية، فتراهم يحملون بين أيديهم نسخا من المنابر الإعلامية التي يقبل عليها القراء، يقطعون المسافات ذهابا و إيابا بين شوارع وسط المدينة و المقاهي المتراصة فوق أرصفتها أملا في استمالة رغبة بعض الزبناء خاصة الكرماء منهم الذين يتركون هامش ربح إضافي لهؤلاء التجار الذين ينهجون سياسة “تقريب الجريدة من القارئ”، بعضهم يضطر إلى استعمال دراجات عادية لتسهيل حركة التنقل بين المقاهي، و البعض الآخر لا يجد بدا من الاعتماد على المشي أملا منهم في اصطياد زبناء من غير الجالسين على طاولات المقاهي “هي تجارة بسيطة لكنها تساعدني على تحصيل بعض النقود، كما أنها تفتح المجال أمامي للاطلاع على الأخبار بشكل يومي، و أحيانا أصادف بعض الزبناء الذين يفتحون معي نقاشات حول الاخبار الواردة في بعض الجرائد، و هذا مفيد بالنسبة لي من الناحية المعرفية” يقول حسن طالب بكلية الحقوق.
نقاشات الحناء
في شارع الزرقطوني و ساحة الحنصالي المعروفة بـ “البرانس” ظهرت خلال صيف هذه السنة وجوه جديدة تحترف عملية نقش الحناء على أيدي و سواعد بعض زوار المدينة.
عملية النقش بالحناء لم تعد تستهوي الإناث فقط بل حتى بعض الذكور الذين يعوضون عملية الوشم بنقوش الحناء، و لعل تزايد الطلب على هذه العملية فتح المجال أمام مجموعة من الفتيات انضفن إلى نقاشات يعملن طوال السنة، فأصبحت هناك صفوفا من “نقاشات الحناء” تقف أمامهن طوابير الراغبين في خدماتهن مقابل مبالغ تبدو مضاعفة مقارنة مع باقي شهور السنة، و بحسبهن فالأمر طبيعي مادام أن الطلب يتزايد عليهن خلال فصل الصيف. غير أن حرفتهن هاته تبقى هي الأخرى محفوفة بالمخاطر خاصة بالنسبة لأولئك اللواتي يستعملن بعض المواد المضرة بصحة الانسان من اجل إظهار جمالية النقش، تقول فاطمة “خاص الوحدة تخدم بالمعقول و ما تخلطش الحنا بالمواد الحارقة التي تتسبب للناس في الحروق و التعفنات، و تولي عوض ما تفتش على رزقها، مقابلة الكوميسارية”.